إعداد: محمد هاني عطوي
تحظى شبكة الإنترنت بانتشار يكاد يتجاوز الخيال، في مختلف المجالات وعلى جميع المستويات، وفي جميع أنحاء العالم المتقدم منه وما هو غير ذلك، ما يمكن القول معه باطمئنان إن الإنترنت باتت أكبر شبكة اتصالات في تاريخ البشرية. فكيف بدأت كفكرة؟ وكيف كانت انطلاقتها ثم انتشارها؟ وقبل ذلك من يديرها ويملكها ويتحكم فيها؟ وإذا كانت كأي فكرة بشرية لها حدود ونقاط ضعف.. فما هي؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها التقرير التالي.
يُعد اختراع شبكة الإنترنت أحد أهم التطورات التي حدثت في وسائل الاتصالات البشرية بعد اختراع الهاتف.. لكن لا تحاول البحث عن المركز الرئيسي لهذه الشبكة العنكبوتية في أي مدينة من العالم؛ لأن الإنترنت باختصار ليس لها إدارة أو مركز رئيسي. ومع أن ذلك يبدو غير مقنع للكثيرين إلا أن هذه هي الحقيقة؛ إذ تُدار شبكة المعلومات الدولية من خلال شبكة أخرى تتكون من آلاف شبكات الكمبيوتر التابعة للشركات والأفراد، كل منهم يقوم بتشغيل جزء منها ويدفع تكاليف ذلك، وتتعاون كل شبكة مع الأخرى، لتوجيه حركة مرور المعلومات، وبمجموع هؤلاء تتكون الشبكة العالمية، ولهذا لا يملك أحد الإنترنت.

تاريخ البدايات

لكن رغم الانتشار الهائل للإنترنت، فإن الكثيرين يجهلون تاريخ نشأة هذه الخدمة العبقرية، التي ساعدت على ربط العالم بأسره وتحويله إلى قرية صغيرة، رغم استخدامها السيئ في بعض الأحيان.
كان الإنترنت نتيجة لمشروع يسمى «آربانت» Arpanet، وهو مشروع تابع لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون». ففي أوائل الستينات افترضت وزارة الدفاع الأمريكية حدوث كارثة نووية، ووضعت التصورات لما قد ينتج عن تأثير تلك الكارثة في الفعاليات المختلفة للجيش، خاصة في مجال الاتصالات، الذي هو القاسم المشترك الأساسي الموجه والمحرك لجميع أعمال قوات الجيش. لذلك كلفت الوزارة مجموعة من الباحثين لدراسة مهمة إيجاد شبكة اتصالات، تستطيع أن تستمر في الوجود والعمل حتى في حالة حدوث هجوم نووي، وأن تؤكد بدورها أن الاتصالات الحربية يمكن استمرارها في حالة حدوث أي حرب.
ظهرت فكرة كانت غاية في الجرأة والبساطة، تقضي بأن يتم تكوين شبكه اتصالات Network ليس لها مركز تحكم رئيسي، فإذا ما دمر أحدها أو حتى دمرت مئة من أطراف هذه الشبكة، فإن على هذا النظام أن يستمر في العمل. وفي الأساس فإن هذه الشبكة المراد تصميمها كانت للاستعمالات الحربية فقط.
في ذلك الوقت لم يكن هناك وجود لأي نوع من الشبكات، ولهذا ترك الباحثون الأمر لخيالهم، وأسسوا شبكة أطلق عليها اسم «شبكة وكالة مشروعات البحوث المتقدمة»، وذلك في العام 1969. وقد أنشئ هذا المشروع لربط الجامعات ومؤسسات الأبحاث بعضها ببعض.
قبل الانتشار الكبير لشبكة الإنترنت العالمية، كانت أغلب شبكات الاتصال محدودة بطبيعتها، لتسمح بالاتصال بين المحطات في الشبكات المحلية فقط، وكانت الطريقة السائدة التي تدار بها الشبكات مبنية على نموذج المخدم المركزي. بعد ذلك بدأت برامج البحث بالانتشار متضمنة مبادئ واضحة عن التشبيك بين المكونات الفيزيائية للشبكات المنفصلة، وانتهاء بتطوير نقل المعلومات بين الشبكات الرقمية.
إلى ذلك، نمت شعبية الشبكات العامة وأنظمة شبكات الهواة، متضمنة نسخة «يونيكس تو يونيكس» (يو يو سي بي)، إضافة إلى «فيدونت». وكانت تلك الشبكات لاتزال شبكات منفصلة، مخدمة بعدة بوابات فقط بين تلك الشبكات. وأدى هذا إلى ولادة تطبيقات لنقل المعلومات من أجل تطوير عدة بروتوكولات للشبكات العالمية، حيث يمكن وصل عدة شبكات مختلفة مع بعضها البعض، في شبكة واحدة عالمية. فمن خلال تعريف نظام واحد مشترك للشبكات يسمى «حقيبة بروتوكول الإنترنت»، أمكن فصل مفهوم الشبكات عن مكوناتها الفيزيائية. وهذا الانتشار للشبكات بدأ يشكل فكرة عن شبكة عالمية، تمت تسميتها في ما بعد بالإنترنت، مبنية على بروتوكولات تم تبنيها رسمياً في العام 1982. هذه المفاهيم تم تبنيها في العالم الغربي، وانتشرت في وسائل الاتصالات بسرعة، ثم انتشرت إلى باقي أنحاء العالم مشكّلة شبكة عالمية.

مكتبات المعلومات

في العدد الخاص من مجلة Man-Computer Symbiosis في العام 1960، قدم المهندس «جي سي آر ليكليدر» فكرة عن الشبكة العالمية، عندما قال: إنها شبكة ممثلة بمثل تلك الأجهزة، وموصولة ببعضها البعض بخطوط اتصال عالمية، وقادرة على تقديم ربط مذهل لجميع مكتبات المعلومات مع بعضها البعض، متضمنة تخرين المعلومات واسترجاعها، إضافة إلى خدمات تكافلية مماثلة. وفي أكتوبر/‏‏‏ تشرين الأول من العام 1962، تم تعيين «ليكليدر» رئيساً ل«وكالة أبحاث الدفاع المتقدمة في الولايات المتحدة» أو ما يعرف اختصاراً بDARPA؛ حيث تم تشكيل مجموعة رسمية في تلك الوكالة مختصة بأبحاث الحوسبة، وتم تنصيب ثلاث طرفيات: واحدة من أجل تطوير النظام في سانتا مونيكا، وواحدة لمشروع Genie في «جامعة كاليفورنيا» في بيركلي، وواحدة في «معهد ماساتشوستس للتقنية».

الخطوات الأولى

بعد ترقية «روبرت يايلور» لرئاسة مكتب معالجة المعلومات في DARPA، عزم على تطوير فكرة «ليكليدر» عن نظام الشبكات المتصلة ببعضها البعض، فأحضر «روبرتس لاري» من جامعة M.I.T، وبدأ الاثنان تطوير تلك الفكرة، والبدء الفعلي لمشروع شبكة ال«آربانت» ARPAnet. أولى خطوات تلك الشبكة، كانت بوصل جامعة كاليفورنيا بجامعة لوس أنجلوس ومعهد الدراسات في ستاندفور. وفي تمام الساعة العاشرة والنصف من مساء 29 أكتوبر/‏‏‏ تشرين الأول 1969، تم وصل شبكة مؤلفة من 4 عقد، بعد إضافة جامعات «أوتاوا»، و«كاليفورنيا»، و«سانتا باربرا». في العام 1981 نما عدد المراكز المضافة إلى تلك الشبكة إلى 213، بمعدل إضافة مركز جديد كل 20 يوماً. وأصبحت ARPANETالنواة التقنية للإنترنت لاحقاً، وأداة أساسية في تطوير التقنيات التي استخدمت لاحقاً لبناء الشبكة.
وثقت السنوات المبكرة لنشأة الشبكة في العام 1972 في فيلم Heralds of Resources Sharing. وفي البداية كانت المشاركات العالمية في تلك الشبكة ضئيلة ومحدودة، لعدة أسباب سياسية، حيث كان الباحثون والمطورون الأوروبيون معنيين بتطوير شبكة «إكس 25»، وكانت النرويج هي الاستثناء، بمشاركتها في تطوير ما يعرف ب NORSAR وذلك في العام 1972، ثم تبعتها السويد في العام 1973، ثم بريطانيا في وقت لاحق.

الانطلاقة الفعلية

جاءت السنوات التي تلت «آربانت» ARPANETبتغييرات كثيرة، وفي ذلك الوقت كان الوصول للشبكة قاصراً على الجيش والجامعات والباحثين، ونتيجة لهذا الوضع فقد أصبحت «آربانت» عبارة عن شبكة تتكون من شبكات ذات مفاتيح وأطراف متعددة، وترسل المعلومات فيها باستخدام تقنية تفتيتها إلى مجموعات أصغر، تتحرك بحرية واستقلالية من طرف إلى آخر لتصل إلى مستخدمها. وكان هذا المشروع غير معروف حتى العام 1980 حين تم إظهاره للضوء، ومنذ ذلك الحين أصبحت التغييرات تحدث بسرعة كبيرة، واستمر هذا النظام في الاتساع. وما بين عامي 1982 - 1985 كانت ولادة الإنترنت الفعلية؛ إذ انقسمت «آربانت» ARPANETفي العام 1983 إلى قسمين: «آربانت» ARPANETو«ميلنت» MILNET، واستخدمت الأولى في الأغراض المدنية، أما الثانية فاحتفظ بها للاستخدامات العسكرية. ومنذ العام 1980 تكونت شبكات جديدة عدة لخدمة بعض الفئات والمنظمات، إحدى هذه الشبكات كانت للمجتمعات الأكاديمية، وأخرى لمنظمات أبحاث الكمبيوتر، حيث وصلت الباحثين بعضهم ببعض ليتشاركوا المعلومات. وفي 1986 وصلت «مؤسسة العلوم الوطنية» الباحثين بعضهم ببعض في جميع أنحاء الولايات المتحدة، من خلال خمسة كمبيوترات عملاقة، وسميت هذه الشبكة باسم NSFNET. وتكونت هذه الأخيرة من مراكز لخطوط الإرسال، المكونة من الألياف الضوئية ومن الأسلاك العادية، وبمساعدة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والموجات الدقيقة «ميكروويف»، لتحمل الكميات الهائلة من المعلومات التي تتحرك سريعاً جداً ولمسافات بعيدة، فكانت NSFNET هي العمود الفقري للبنية التحتية للإنترنت بصورتها الحديثة.

سلاح الخير والشر

لم يجر استخدام الإنترنت بشكل واسع حتى أوائل التسعينات من القرن العشرين، رغم توافر التطبيقات الأساسية والمبادئ التوجيهية، التي تجعل من استخدام الإنترنت أمراً ممكناً ومتاحاً. ففي السادس من أغسطس/‏‏‏ آب من العام 1991، نُشر مشروع الشبكة العالمية «الويب»، والتي ابتكرها العالم الإنجليزي «تيم بيرنرز لي» في العام 1989، في المختبر الأوروبي للفيزياء والجزيئات «CERN»، الذي يقع على الحدود بين فرنسا وسويسرا.
وقد تزايدت جماهيرية تلك الخدمة، وباتت وسيلة أساسية لكبريات الشركات والمؤسسات، والدول قبل الأفراد. ولكونها سلعة تتاح للجميع، ويسهل على أي شخص الوصول إليها، كان من المتوقع أن تتحول إلى سلاح يستخدم في الخير وفي الشر، وبالفعل تزايدت وتيرة استخدامها في نشر الأكاذيب والترويج للخرافات والفضائح غير الصحيحة، خصوصاً في السنوات القليلة الماضية. وهذا ما دفع السير «تيم بيرنرز لي»، مبتكر شبكة المعلومات الدولية، إلى أن ينادي بضرورة تصميم نظام تقني جديد، يكون هدفه تصنيف المعلومات التي يتم بثها عبر شبكة الإنترنت، من أجل مساعدة المتصفحين على التمييز بين الخبر الحقيقي والخبر الزائف. فرغم تحول الإنترنت لتصبح المصدر العالمي الأول للحصول على المعلومات، إلا أن المواقع الإلكترونية والبالغ عددها نحو 100 مليون، باتت مكتظة بالأخطاء والمعلومات الكاذبة. وبعد أن بحث «تيم بيرنرز لي» ورفاقه عن طريقة لمواجهة هذه الأخطاء، خلصوا إلى أنهم بحاجة إلى نظام أكثر تعقيداً.

نقاط الضعف

الانبهار بما تقدمه شبكة الإنترنت من خدمات وفوائد وما تتمتع به من إمكانات، لا يمنع من إثارة السؤال: هل لهذه الشبكة حدود ونقاط ضعف؟ الإجابة نعم، فرغم وجود الإمكانات الهائلة للإنترنت، التي جعلتها توصف بأنها أكبر وأعظم إنجاز يتحقق في هذا العصر، فإن إمكاناتها لها حدود، كما أنها تحتوي على نقاط ضعف لا يستهان بها في كثير من الأحيان، وهي:
- صعوبة الاستخدام: فالكثيرون يجدون صعوبة في استخدام الشبكة، خصوصاً غير المختصين، ويتطلب الأمر تدريبهم وإرشادهم إلى تفاصيل الاستخدام. ومع أن الملايين يستخدمون الإنترنت، فإن نسبة كبيرة منهم لا يقومون بتشغيل الشبكة على الوجه الأكمل.
- صعوبة المحافظة على سرية وأمن المعلومات تماماً: فإذا لم تستخدم تقنيات عالية، وأجهزة متطورة وحديثة لمنع مخترقي أنظمة الشبكات، فإن المعلومات السرية الخاصة بالشركات وما شابه، يمكن أن تكون هدفاً سهلاً للعبث أو التخريب.
- عدم وجود معايير قياسية: فليس هناك شكل ثابت أو معيار واحد قياسي لتركيبة الصور أو الفيديو أو الصوت، الذي يمكن استخدامه في عمليات إرسالها واستقبالها، ما يجعل هذه العملية معقدة وصعبة، كما تسبب استهلاك وقت طويل عند استحضار الصفحات التي توجد فيها تلك الأشكال من الإنترنت.

تأثير درامي

مع انتشار الإنترنت لأغراض تجارية وإعلانية في الثمانينيات، ووصولها إلى كل بيت في التسعينيات، فقد أثرت الشبكة العنكبوتية تأثيراً درامياً في الثقافات والأعمال والتجارة. وهذا التأثير تضمن تطور الاتصال اللحظي عن طريق البريد الإلكتروني، ومنتديات المحادثة (الدردشة)، وشبكة الويب العالمية. ومع تأثيرها الضخم في مجال الأعمال، بدأت توقعات المستثمرين بالنمو في السوق الحديثة، مدفوعة بتلك الابتكارات، وهذا ما أدى إلى تضخم مفاجئ وتراجع لما سمي Dot-com bubble. ورغم ذلك استمرت شبكة الإنترنت بالنمو.
إلى ذلك، فإن المعلومات الهائلة والمتنوعة التي نشأت عن العمليات التقنية التي ربطت آلاف الشبكات ببعضها بعضاً، كونت فضاء يظهر على شاشات الكمبيوتر كأنه عالم حقيقي يشابه عالمنا الواقعي الذي نعيش فيه، وهذا العالم يسمى «سايبر سبيس» Cyberspace، وهو عالم ذو أبعاد مدهشة وغير عادية، ومصدر عالمي ذو قيمة هائلة من المعلومات المتآلفة.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/799f923f-e9d0-4091-aa7c-517b64ab2026#sthash.rzXf5moq.dpuf